صديق الحسيني القنوجي البخاري

382

فتح البيان في مقاصد القرآن

حالهم فقيل يصلونها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور ، ومعنى يصلونها أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ . قرأ الجمهور يصلونها مخففا مبنيا للفاعل ، وقرىء بالتشديد مبنيا للمفعول . وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ أي لا يفارقونها أبدا ولا يغيبون عنها بل هم فيها وقيل المعنى وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم . ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ أي يوم الجزاء والحساب ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ كرره تعظيما لشأنه وتفخيما لقدره وتهويلا لأمره كما في قوله : الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 1 - 3 ] و الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] والمعنى أي شيء جعلك داريا ما يوم الدين قال الكلبي الخطاب للإنسان الكافر . ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ من النفوس لِنَفْسٍ أخرى شَيْئاً من النفع والضر ، وملك الشفاعة لبعض الناس إذ ذاك إنما هو بإذن اللّه مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] ذكره الحفناوي . قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه بدل من يوم الدين أو خبر مبتدأ محذوف . وقرأ أبو عمرو في رواية عنه يَوْمَ بالتنوين والقطع عن الإضافة . وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر فيكون مفعولا به أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على أنه بدل من يوم الدين . قال الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى قوله : لا تَمْلِكُ وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبنى على الفتح وإن كان في موضع رفع ، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي وأما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما ، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي والفراء وغيرهما . وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحده لا يملك شيئا من الأمر غيره كائنا من كان . قال مقاتل : يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة ، قال قتادة : ليس ثم أحد يقضي شيئا أو يصنع شيئا إلا اللّه رب العالمين ، والمعنى أن اللّه لا يملك أحدا في ذلك اليوم شيئا من الأمور كما ملكهم في الدنيا ، ومثل هذا قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] .